Selem
قتلى
حتّى مطلع الأرض.
و مازالت الأرض ترفع أغصانها،
و التّراب يذرّ تراب الحكايات،
تسّاقط الورقات على الورقات،
و مازال فوق سطوح البيوت العتيقة،
طفل قتيل
يطيّر أوراقه الطّائرة.
و قبل غروب الخطى،
و قبل اشتعال الغسق،
و قبل اختراق المدى،
و قبل اختراق الصدى،
و قبل اختناق الشذا،
كانت الأرض
تمشي على أرضها،
كانت الأرض
عارية الخطوات،
تجرّ الجوى و المجاري
إلى جدول يتجوّل،
كان المغنّي القتيل
يحطّ رحال الأغاني
على مدن تتذكّر،
يعلو
إلى نوم أطفالها القمر،
و تشدو السّفائن،
يشدو
إلى شدو بحّارها الوتر.
و كان المغنّي القتيل،
قريبا من اللّه يلهو،
يحطّ رحال السّماء على راحة الأرض،
تلهو المجاري على نبرة الطّفل،
مازال فوق سطوح البيوت العتيقة،
طفل قتيل يغنّي،
يبوح الشّذا،
و تبوح الحدائق،
يعلو إلى بوح نوّارها العطر،
يعلو إلى وطن
يتألّق في ليل حرّاسه الوطن،
و تهفو خيوط الهفا
فوق بلّور أشواقها،
كانت الأرض تمشي على أرضها،
و يحتفل المطر.
و في أثر الخطوات الغريقة،
في وثبات العباب،
و فوق سطوح البيوت العتيقة،
يحتفل المطر.
و مازالت الأرض عارية القدمين،
تجرّ الجوى و المجاري،
و تمشي على تربة تتذكّر،
كانت الأرض تحلم،
يستبق الحلم أطياف أحلامها،
و تجرّ المجاري جداول أيّامها،
كانت الأرض تحلم،
و الموت كان يصارح أطلالها،
كانت الأرض تشدو،
و مازال
طفل النّهار المهاجر
يلهو
على راحة القفر،
مازال
ينحت في الصّخر أقداره،
و مازال آذار
يرفع في مطلع الأرض أسواره،
و مازال آذار
يطلق في هجمة اللّيل آذاره،
كانت الأرض
ترفع راياتها في النّدى،
كانت الأرض
ترفع أنّاتها في الصّدى.
كانت الأرض
تمشي إلى أفق يتساءل،
يمشي المغنّي القتيل
إلى أفق يتدلّى من الأغنيات.
و لا يجرؤ الطّفل،
لا ينتهي من صياغة ظلّه،
تحاصره الطّلقات،
تحاصره الخطوات،
يصارحه الموت،
يغشاه فوق روابي اللّظى شوقه
يتبدّى على شرفات النّدى،
و لا تجرؤ الأرض،
تختال بين البقايا،
و حين تحطّ على راحتيها أغاني الفتى،
تحطّ العصافير.
في هجمة اللّيل،
تجري مياه الصّباح المؤجّل،
تجري الأكاذيب
سيّارة في الشّرايين،
تخترق اللّيل أسئلة الطّفل،
تستبق الفجر أسئلة الطّير،
تشهق بين صقيع الوجوه مشاعلها.
و في هجمة اللّيل،
تعتنق الأرض موّالها،
يتسرّب بين المعابر عابق نوّارها.
و في هجمة اللّيل،
تعلو ذراع الصّبيّ القتيل،
و تعتنق الأرض نظرتها،
تتوالى،
إلى آخر المطر.
و مازال ظلّ الفتى مشرئبّا
على صخرة القبر،
يمتدّ،
يرتدّ
في مقمر الخطو،
مازال ظلّ الفتى مشرئبّا
على صخرة الموت،
يمتدّ،
يرتدّ
خلف زخارف خطوه.
مازال
يقرع باب المخيّم ليل الصّقيع،
و مازالت الأرض عارية القدمين
تسابق أعشابها.
تسلّل في شاهق اللّيل طفل عليّ الخطى. و تسلّل في دافق الشّوق طفل نديّ الرّؤى، أطلق الخيل فقّاعة الرّمل، انتفض العطر، و انتفض الورد، انتفض القيد، انتفض الطّفل في شارع يتخيّل، ينهار، ينهار في ملكوت النّهار النّهار.
و كان المغنّي القتيل
يحطّ رحال السّماء على راحة الأرض،
كان يحطّ رحال الأغاني
على خيمة
تتشمّس خلف رماد الخطى و العساكر،
كان المغنّي القتيل
يحطّ رحال الأغاني
على خيمة اللاّجئين القدامى،
يحطّ رحال البلاد على غرف النّوم
في نومهم،
في مدار المتاهة،
في جنّة اللّيل،
في غربة اللّيل،
في ليلهم.
و كان الفتى
يطأ القفر
في هجمة اللّيل،
يمشي
على تربة تتلهّى.
قريبا من اللّه،
كان الفتى يتلهّى،
يبوح إلى شجر البرتقال المدمّى،
قريبا من الأرض،
كان الفتى يطأ القفر،
يمشّى
على تربة تتمشّى.
يجرّ الجوى و المجاري،
يحاول أن يتسلّق أغنية الماء،
مازال
طفل النّهار القتيل
يحاول أن يطفئ اللّيل،
مازال يجري إلى جبل النّار،
مازال ينهض من حجر
و من شجر غائم في يقين الخطى.
تتوالى على شفة الشّوق أنشودة الطّفل،
يهتف في آهة الوتر الوتر،
تتوالى على راحة الماء قهقهة الطّفل،
يشهق في شهقة القمر القمر،
تتدلّى إلى الأرض تفّاحة الطّفل،
يحتفل المطر.
يذرّ التّراب تراب الحكايات،
يعلو إلى قاع أشواقه الشّفق،
و في أثر الخطوات الطليقة،
في أثر الطلقات
على جدران النّهار،
تبوح القوافي إلى قمر
يتدلّى من القصف،
مازال فوق سطوح البيوت العتيقة،
طفل قتيل
يطيّر أوراقه الطّائرة،
يركض الطّفل خلف قافلة الرّيح،
مازال موّاله
يحتسي صيحة الرّوح،
مازال طفل النّهار القتيل
يحاول أن يطلق الضّوء من حجر،
و من شجر يتدرّج.
مازال فوق سطوح البيوت العتيقة،
طفل قتيل
يحاول أن يتسلّق أشواقه الشّاهقة،
و مازال فوق سماء المشاعل،
طفل قتيل
يحاول أن يقطف الضّوء
من شجر يتلهّى،
قريبا من اللّه،
كان الفتى
يتمشّى على صفحة الرّوح،
كان يحاول أن يلمس الرّيح،
مازال فوق سماء القبائل،
طفل قتيل يقاتل،
يهتف في صمته المتردّد،
مازال ينهض
من موته المتعدّد،
كان الفتى
يتدرّج خلف المدى،
و يذرّ على أثر الخطوات
وصايا النّهار القتيل،
يذرّ
على الشّجرات وصايا الرّماد.
يحطّ رحال البلاد
على قمر يتخيّل،
كان الفتى يتسلّل
في مطلع الأرض،
يعبر في الكلمات،
و يعبر في الخطوات،
و يعبر في طلقات السّلام الطّليقة،
مازال يعبر في التّمتمات قطار العساكر.
مازال فوق سطوح البيوت العتيقة
طفل قتيل
يحاول أن يتسلّق
في صيحة الرّيح
في دافق البوح
أغنية الماء،
مازال طفل النّهار القتيل
يحاول أن يتسلّق
في دبكة الخطب،
و في غمغمات المغنّين،
مازال
طفل النّهار القتيل
يحاول أن يتسلّق
في هجمات الظّلام العليّة
أغنية الحبّ،
قمر يترقّب أغنيتي
إلى سعيدة دائما
قريبا من الطّفل ألهو،
أطلّ على الأرض
من شرفة تتدلّى من القلب،
من آهة تتأوّه في آهة العرب،
من سند يعتلي سند الحزن،
و من غيمة تحتسي شاسع الدّمن،
أطلّ على الأرض
من ثقب بالجدار،
قريبا من الطّفل ألهو،
أطلّ على وطن يترقّب في نظراتك
أعلى من القصف،
أعلى من الخوف
في نظرات القفار،
قريبا من اللّه ألهو،
أطلّ على الطّفل يلهو
على حافّة الموت في وضح الطّلقات،
أطلّ على وطن يترجّل ساح الظّلام،
أطلّ على وثن يترجّل ساح الكلام،
أطلّ على الطّفل يلهو
على حافّة القصف.
تنتفض الحاء،
تنتفض الرّاء في جسدي.
قريبا من اللّه ألهو،
أطلّ على طفلة تترجّل ساح القنابل،
تحضن دميتها و تموت،
أطلّ على امرأة تترجّل ليل القبائل،
تحضن أشلائها و تموت...
قريبا من الطّفل ألهو،
أطلّ على قلمي يترجّل ساح الرّماد،
ليبحث عنّي و عنك،
و تبحث جينين،
تبحث بغداد،
تبحث بيروت عن دمية تتدرّج
في شارع يتجوّل في دمها،
تقطف الورد من عطرها،
من عناد حدائقها،
و تنهض قانا من النّظرات،
من الخطب،
و من تربة تترشّف صيحتها،
قريبا من اللّه ألهو،
أطلّ على قمر يترقّب في نظراتك
أعلى من القصف،
أعلى من الخوف،
أمشي إليك،
إلى قمر غائم في سماء المشاعل،
أمشي
إلى قمر يترقّب في نظراتك،
أمشي
إلى قمر يترقّب في نظراتي.
حمّام الأنف في 22 سبتمبر 2006
المفتاح القديم
تسّاقط الورقات على الورقات، و تسّاقط الكلمات على الكلمات، و مازالت الأرض دامعة النّظرات قدّام مشهد الدّبّابة و الجرّافة اليوميّ، مازالت الأرض تستبق الخطوات خلف ظلال نهار طليق.
مازال صديقنا المحتلّ يطلق نيران رشّاشه في ليل أزقّتنا، في شوق شوارعنا، في صمتنا، في صوتنا، في موتنا، في جنائز أيّامنا، مازال صديقنا المحتلّ يطلق نيران رشّاشه في قاع أحزاننا، في شاهق أفراحنا، مازال صديقنا المحتلّ يمشي على أشياءنا، و يمشي على تربة عالقة بالجذور، مازال يمشي على تربة تتذكّر.
مازال صديقنا المحتلّ يشذّب الأشجار، يشذّب الأفكار، مازال يشرّد الإنسان، يبدّد الأفراح و الأحزان، مازال صديقنا المحتلّ يعرّب التّاريخ و الوطن و الأعراب.
تسّاقط الورقات على الورقات، و تسّاقط الكلمات على الكلمات، و منذ الهجرة الأولى، مازال، في مطلع والأرض،
شيخ يجلس القرفصاء تحت ظلال الأيّام، يحتفظ بمفتاح بيته القديم، و بحفنة من تراب بستانه الجميل، لم ينحن الشّيخ،
و المفتاح مازال يهتف أعلى من السّنوات، مازال الشّيخ يقلّب وجهه في السّماء، آن له أن يحطّ رحال انتظاره، آن له أن يطفئ نظراته العاشقة.
لا بدّ للأرض، للأعشاب، للأشجار، للأفكار، لا بدّ للإنسان، لا بدّ للأفراح، لا بدّ للأحزان، لجدران البيوت الخفيضة، لظلالها الشّاهقة، لا بدّ لمن صمد بعد النّكبة،
و لا بدّ لمن صمد بعد النّكسة، و لا بدّ لمن صمد بعد الخيبة، و بعد الخيبة، لا بدّ للصّامدين جميعا أن يخرّوا سجّدا.
لا بدّ للشّهداء أن يترفّعوا عن عقيدة التّحرير الوطني، لا بدّ لهم أن يتطهّروا من خطيئة الكفاح المسلّح حتّى لا يزعجوا عساكر، و جرّافات، و دبّابات، و طائرات صديقنا المحتلّ.
تسّاقط الورقات على الورقات، و تسّاقط الكلمات على الكلمات، و بعد مشاريع التّسوية، بعد اختراق المدى للمدى، و بعد اختراق الصّدى للصّدى، و بعد اختناق الشّذا، لا بدّ للاّجئين خارج الأرض أن يغتالوا الدّمع
و الأشواق، لا بدّ لهم أن يغتالوا الوطن و التّاريخ، لا بدّ لهم أن يطيّروا الأوراق الطّائرة، لا بدّ لهم أن يموتوا قبل الموت
و بعد الموت.
لا بدّ لسكّان المخيّمات أن يقلّموا أظافر المفردات عند تلاوة نصّ الخطاب، لا بدّ للقامات أن تتقلّص أثناء حفلة التّوقيع. لا بدّ لهم أن يغلّبوا نبرة الصّمت، لا بدّ لهم أن يغلّبوا نبرة الموت، لا بدّ لهم أن يموتوا قبل الموت و بعد الموت.
تسّاقط الورقات على الورقات، و تسّاقط الكلمات على الكلمات، و لا بدّ لعساكر الدّنيا أن تتوحّد لنزع أسلحة الدّمار الشّامل الّتي يمتلكها شعب المخيّمات.
لا بدّ لنساء رفح أن ينتزعن جلابيبهنّ السّود بصدورها المطرّزة، لا بدّ لأطفال القدس أن يطفئوا نظراتهم المترقّبة،
لا بدّ لشيوخ النّاصرة أن يصمّوا آذانهم حيال نداءات الأرض، و يناموا هادئين، لا بدّ لهم أن يموتوا قبل الموت و بعد الموت
لا بدّ لطائر الفينيق الفلسطينيّ أن يحطّ رحال السّماء بعيدا عن الأرض.
لا بدّ للسّنابل، لا بدّ للبلابل أن تترفّع عن النّبرة الشّاهقة، لا بدّ للمقاتل أن يترفّع عن النّظرة العاشقة.
لا بدّ لشعب المخيّمات أن ينسحب من الأرض الّتي يحتلّها بقوّة الانتماء، لا بدّ له أن يحترم الاتفاق.
لا بدّ لشعب المخيّمات أن يشهد في خشوع مشهد الدبّابة و الجرّافة و الوطن المسحوق.
تسّاقط الورقات على الورقات، و تسّاقط الكلمات على الكلمات، و لا شكّ فلسطين باقية، مادام الإنسان، مادام اللّه، مادام الحبّ، و يعلم البحر، تعلم السّفائن، تعلم الأرض و السّماء، تعلم الأشجار، تعلم الجرّافة و الدّبّابة، يعلم الجنود، يعلم الشّهيد و الشّهود، يعلم القتيل و القاتل، تعلم القبائل أنّ الواقفين خلف الأسلاك قتلى... حتّى مطلع الأرض.
فلا بدّ للّيل أن ينجلي
و لا بدّ للقيد أن ينكسر
سلام